

مقابلة كتابية مع الباحث والمؤرخ: محمد خير رمضان يوسف
(النص الكامل)
إجراء الحوار من قبل وكالة الأنباء السورية (سانا) - القسم الكردي
نشرته الوكالة بالكردية مع موجز بالعربية، بعد تهذيبها وتحريرها من قبل الوكالة
وهنا النص الكامل بالعربية
"حارس الذاكرة"... من طالب ابتدائي في جزيرة منسية إلى توثيق أعلام أمة:
من أبرز من كتبوا في تراجم المعاصرين، ومن أكثر من تتبعوا حركة التأليف العربي والإسلامي في العصر الحديث. وهو من أغزر المؤلفين كتابة، حيث تجاوزت مؤلفاته وتحقيقاته مئات الكتب، ما عدا البحوث والمقالات. بدأت رحلة حياته في بلدة (تربسبية/ قبور البيض/ القحطانية) في ريف القامشلي في الجزيرة السورية، ودرس في كلية الشريعة بدمشق، وهاجر من بلده قسرًا إلى خارج القطر لعقود قضى معظمها في الرياض... لعله يعود اليوم من جديد إلى وطن تحرر. في هذه المقابلة يحدثنا عن بداياته، وعن مشروعاته في الأعلام والببليوغرافيا، ورؤيته لمستقبل الثقافة والتنوع في سوريا الجديدة.
البدايات والتكوين
س1: نشأتم في الجزيرة السورية ضمن بيئة متعددة الثقافات واللغات. كيف أثر هذا التنوع في سيرتكم، في تشكيل وعيكم الثقافي الأول، وفي ولادة شغفكم المبكر بالكتاب الذي وثقتموه لاحقًا في سيرتكم الذاتية "سلام من جزيرة منسية"؟
ج1: كان للتنوع الثقافي والفكري والديني في محيطي أثر كبير في توجهي نحو المطالعة المتنوعة، وقراءات لا تنتهي في الدين والسياسة والفن والاجتماع والتاريخ والأدب وحتى الرياضة، ولذلك ما عرفت حقيقة تخصصي إلا في الدراسة، وصرت في الواقع ذا (ثقافة موسوعية) بدون شعور مني!
وهذه الثقافة جعلتني قريبًا من طبقات فكرية واجتماعية متنوعة، يعني متلائمة مع محيطي، فلم أكن (غريبًا) بينهم!
فنشأت في طفولتي وفتوّتي في بيئة كردية خالصة، فأتقنت لغتها بعمقها، وبأمثالها وقصصها ومواويلها.
وفي دراستي الأساسية اجتهدت في تعلمي، وارتبطت باللغة العربية حتى صارت لا تغادر كياني، بل دخلت ألفاظ وجمل كثيرة منها في اللغة الكردية!
وكان شغفي بالعلم وتوجيه والدي هو الذي قادني إلى الكتاب، فأقبلت عليه بكل حب وعشق وافتتان!
ولكن لو تعمقت في الدافع الأساسي للارتباط الكبير بالكتب فإنه يردُّ إلى تقدير الله تعالى وإلهامه، فإنه سبحانه وتعالى هو الذي يودع في كل امرئ هواياته ومواهبه، وليس كل الناس في هذا سواء، وليس كل من درس معي كانوا مثلي في القراءة والبحث والتأليف والتحقيق، على الرغم من تفوق بعضهم عليّ في الحفظ والدراسة، فما الذي خالف بينهم وهم في محيط واحد ومدرسة واحدة؟
وهذه المواهب تُقذف في النفوس كمواد خام، ثم إن أصحابها يتصرفون فيها بالتوجيه والتشكيل الأخير، فإما إلى خير وإما إلى شرّ، وإما إلى عناية أو إهمال، وإما إلى تخطيط وتسديد أو إلى مسخ وإغضاء!
والحمد لله الذي وجهني إلى خير الدنيا والآخرة، بعد نشأتي الأدبية والفكرية المتأرجحة، وتوجيه مواهبي وهواياتي إلى ما فيه خير ونفع لي وللناس.
س2: فتحتم أعينكم على الدنيا ولم تكونوا تتقنون غير اللغة الكردية، ثم غدوتم من أبرز الكتّاب والمؤلفين بالعربية. حدثونا عن رحلتكم مع الكتابة باللغة العربية: أين كانت العتبة الأولى، ومتى تحولت من لغة تعلم إلى أداة للتأليف والبحث؟
ج2: كانت الأمور صعبة جدًّا في ذلك الوقت، فالفقر والجهل أبرز سمات المجتمع، وما كانت هناك مكتبة في البلدة، ولا عالم، ولا مدرّس، إلا إذا كان حاصلًا على شهادة ابتدائية!
وعندما تقدمت في القراءة عند الملا لم يكن هناك مصحف أقرأ فيه، فنزل والدي إلى المدينة وأتى بمصحف، وكان ذلك اليوم يومًا مشهودًا، من فرح وسرور به لا يتصور!
وعلى الرغم من سيطرة اللغة الكردية على لساني، إلا أني تعلمت التحدث بالعربية من جيراني (المحلّمية) في وقت مبكر وإن كانت لهجتهم مكسَّرة، مما سهّل عليَّ كثيرًا تعلم العربية الفصحى، بل النبوغ فيها بين زملائي في المدرسة!
وكانت وجهتي الثقافية إلى المكتبة المدرسية الغائبة عن التخطيط والتوجيه، فكنت تجد فيها كتب الاشتراكية والشيوعية لماركس ولينين كثيرًا، والكتب القومية والثورية للبعثيين والناصريين خاصة، والأدبَ المكشوف والروايات الفاجرة لعرب وأجانب! ولم تخل من كتب تراثية قليلة، وبعض الكتب الأدبية المتنوعة، فكنتُ كثير التردد عليها، وأمخر بحار مجلداتها في أسابيع قليلة، مع دراستي في الإعدادية والثانوية، مما قوَّى لغتي، ووسَّع اطلاعي على فنون العلم..
وكانت محاولاتي في (الكتابة) لا بأس بها آنذاك، حتى إني نظمت الشعر قبل أن أتعلم بحوره! وكان زملائي يطلبون مني كتابة أشعار وكلمات منمقة ليلقوها في مناسبات كردية كالنيروز.. وفي أواخر الثانوية تشكل عندي ديوان صغير، لكني مزَّقته من بعدُ شرَّ تمزيق، فقد كان في العواطف والتعصب القومي، إضافة إلى كلمات وقصص ما زلت أحتفظ ببعضها حتى اليوم، ولعلي أهديتها كلها إلى مكتبة الأمة بأنقرة، مع مكتبتي كلها، بينها (ذكرياتي اليومية) في سن المراهقة (الأول والثاني الثانوي) التي سجلتها في دفترين أو ثلاثة، مُحي كثير من صفحاتها نتيجة الرطوبة، ولم أر فيها فائدة تذكر.
ورسائل كثيرة جدًّا تبادلتها مع أهلي وأصدقائي...
س3: درستم في كلية الشريعة بجامعة دمشق في سبعينيات القرن الماضي، في فترة صاخبة فكريًا وسياسيًا. كيف كان المناخ الثقافي والفكري في العاصمة حينها؟ وهل واجهتم تحديات معينة خلال دراستكم الجامعية الأولى بسبب انتمائكم أو توجهكم العلمي؟ وما كان أقوى حصن لكم في هذا الاضطراب حينها؟ البيت والأسرة؟ أم المدرسة والمدرسون؟ أم الأصدقاء؟ أم الجامع؟
ج3: نعم، كانت فترة عصيبة. وكان التوجس والخوف والهلع هو الغالب على الناس، إن لم يكن على أنفسهم فعلى أولادهم وأهليهم وجيرانهم. وكانت المخابرات هي التي تحكم، وتتصرف بدون قيود إنسانية ولا قانونية، فمن اعتُقل لا يعرف خبره... فيسجن، ويعذّب، ويقتل، بلا رقيب ولا سؤال.
وكان مجرد تخصصي في الدراسة الشرعية مظنة تهمة، ومجالًا لتهديدي، ومنعي من عملي، ومراقبة تحركاتي...
وهكذا، فكنت أدرّس بضعة أسابيع أو شهور وأُفصل، على مدى سبع سنوات..!
وكنت أتنقل بين مديرية التربية ومكتب الحزب الذي يرأسه البعثي دنحو داود لإعادة التدريس... دون فائدة، فقد كانت التربية تقول: السبب ليس من عندنا!
وكانت العاصمة وغيرها من محافظات الداخل مشحونة بالغضب والقهر والخوف، من الأحوال السيئة والقبضة المخابراتية المفزعة.
وبما أني كنت طالبًا أدرس دراسة حرة، فما كنت أزور العاصمة إلا أيام الامتحانات والمعسكر الجامعي. وكنت أنام في فنادق رخيصة، وبالواسطة، لأن كل من ينزل الفندق ينبغي أن يبرز هويته ويسجل اسمه، وأنا ما كانت عندي هوية (أجنبي، أو لم يرد له سجل في الإحصاء)!! فكان شاب كردي في (فندق الحمراء) المتهالك يقول لي: أنا أسمح لك بالنوم في الفندق على مسؤوليتي ومصيري المجهول، فإن المخابرات تأتي في كل مرة وتفتش السجلات، والويل لمن يخالف...
ومما أذكره يومذاك أن رئيس الوزراء (عبدالرحمن خليفاوي) زار الجامعة مرة، فتقدمت إليه بشجاعة وقلت له بين الطلبة والصحفيين: أنا طالب سوري، ولكن لا أملك هوية، فلا أُعطى أرضًا لأحرث فيها، ولا أُقبل في وظيفة لأعيش منها، ولا يُعطى لي جواز سفر لأغادر به إلى بلاد أخرى وأعمل فيها، فكيف أعيش؟ فبُهت الوزير، وبقي ساكنًا، ولم يُحِر جوابًا، ومعه مَن حوله، ثم قال بهدوء: من أين أنت؟ قلت: من الجزيرة، فقال وهو يعلم أنه غير صادق: مشكلتكم ستحل!
وكان حصني وسلواي يومئذ هو الاعتصام بالإيمان، والمطالعة المكثفة وطلب العلم من الكتب، فإن اجتماع طلبة العلم بالمشايخ والتردد عليهم كان مغامرة كبيرة يومذاك.
وكان اليوم الذي أُعلن فيه مقتلُ الشهيد البطل مروان حديد هو أكثر الأيام توترًا في حينه!
وكان ترددي إلى شيخي الجليل (علوان حقي) رحمه الله في قرية (حلوة) القريبة من بلدتي يخفف عني كثيرًا من القلق والتوتر، وأجد في تكيته راحة وسكينة، وكذلك مع فقيه التكية وعالمها ومفتيها (الملا يوسف يعقوب) رحمه الله، فكان خير مؤنس، وخيرَ معلّم.
من التدريس إلى التوثيق
س4: عملتم في التدريس والخطابة والدعوة قبل التخرج وبعده، ثم انتقلتم لإكمال الدراسات العليا في "الإعلام الإسلامي" بالرياض، ثم عملتم في إدارة الفهرسة والتصنيف... متى وأين كانت نقطة التحول التي نقلتكم من التدريس والخطابة والإعلام إلى الأعلام والتراجم، مع ما تبع ذلك من ببليوغرافيا الكتب والتصنيف؟
ج4: كنت أفكر في الجواب على هذا السؤال حقًّا، فما كنت أعرف سبب تعلقي بـ (مهنة) الكتابة في السير والتراجم!
وتبيّن من بعد أنه (عشق) و(ولع) يسكن داخلي!
وقد قال لي شيخي علوان رحمه الله مرة: لك رأيٌ في الرجال!
وكان أول توجهي في الكتابة العلمية هو التأليف في أصعب الشخصيات القرآنية والتاريخية، وإذا صح نقول (الشخصيات المتشابهة)، من قبيل (المحكم والمتشابه)، فقد كتبت أولًا (الخضر بين الواقع والتهويل)، وهو أوسع ما كُتب في موضوعه، ثم (لقمان الحكيم وحِكمه) ثم (ذو القرنين القائد الفاتح والحاكم الصالح)!
فلا يوجد لي تحول في هذه الكتابة بمعنى الانتقال، لأن الكتابة في التراجم والسير كان موجودًا ولا يغيب في نفسي، وإن اشتغلت بعلوم أخرى، فإن العمل في التراجم كلان مستمرًّا، ومازلت أعمل في بعضها حتى يومي هذا!
وكنت أجد لذة في البحث عن أحوال الأشخاص ومعاشهم وعلومهم وعلاقاتهم وطرائفهم وآثارهم العلمية، وساعدني في معرفتهم والغور في أحوالهم قراءاتي الكثيرة في علم النفس، وصارت لي خبرة في معرفة الرجال، ومآثرهم ومثالبهم، وتذكرت قول شيخي الحكيم فيما قال، عليه رحمة الله وبركاته.
أما الاشتغال بمسارد الكتب وتصنيفها ففي الفقرة التالية.
س5: المكتبات والببليوغرافيا من أشقّ العلوم وأدقها. ما الرؤية التي دفعتكم لتكريس عقود من الزمن لتتبع حركة التأليف الإسلامي والعربي، وتوثيق حياة المؤلفين؟
ج5: هذا مما وهبنيه الله تعالى أيضًا، فما كان هذا الفن موجودًا في بلدتي ولا في مدرستي ولا في جامعتي!
كنت أجلس في مكتبتي الصغيرة وأنا طالب في الثانوية والجامعية وأعمل فهارس لمجلاتها حتى أرجع إلى موضوعاتها عند اللزوم، وأسجل عناوين الكتب التي قرأتها مع تعريف قصير بها، وأرتب الكتب وأعتني بتغليفها، وأسجل بعض نوادرها في دفتر خاص سميته (دفتر العجائب)!
ولما نلت درجة الماجستير في الإعلام بالرياض (تخصص إذاعة وتلفاز)، ولم أستطع إكمال دراسة الدكتوراه فيه، ولا وجدت عملًا في هذا التخصص، عملت في دار نشر، في إدارتها وملفاتها، وكان صاحبها أديبًا، وله مكتبة تملأ غرفًا، وكان يراني أجلس إليها وأتمعن في كتبها، فطلب مني عمل فهرس لها. فتفرغت لها، واستفدت منها. وكان في المكتب الأستاذ (يحيى محمود بن جنيد) رئيس تحرير مجلة (عالم الكتب)، فطلب مني أن أعمل (سكرتير تحرير) في المجلة، فكنت أنا وهو وحدنا نجهزها ونقدمها للطبع، وكنت أحرر جميع أبوابها، وكان هو المشرف والموجه والمحكّم. ولما أنشئت (مكتبة الملك فهد الوطنية) بالرياض كان أمينها العام، وطلب مني العمل فيها، فتعلمت فيها التصنيف العملي والفهرسة الوصفية والموضوعية بأسلوب علمي مكتبي، وكنت مدير القسم مدة، ومدير إدارة تنظيم المعلومات بها.
كما أن عملي في التراجم كان يحيلني إلى إيراد آثارهم العلمية، وهو نوع فهرسة وتوثيق...
وتعاونت مع جهات أخرى في هذا المجال.
وساعدني إتقان هذ العمل في عمل فهارس فنية لما أحققه وأعدّه من كتب تراثية وغيرها..
وتتبعي لحركة التأليف والاهتمام بآثار الأعلام من هذا الجانب.
فإن مسارد الكتب هي أدلة إليها، ومن وقف على عناوينها وبحث عنها. ورسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الصحيح: "الدالُّ على الخيرِ كفاعله"، وهو توجيه عظيم للأمة، علمًا وعملًا، ويكتسب به المرء خيرات وحسنات بالملايين وهو جالس يبحث! فاللهم تقبل ما وفقتنا إليه من علم وعمل.
س6: أصدرتم في الأعلام رسائل صغيرة، وكتبًا متوسطة، وموسوعات ضخمة مثل "تتمة الأعلام للزركلي"، و"تكملة معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة"، وتراجم أو معاجم المؤلفين المعاصرين. لو طلبنا منكم اختيار بعض مؤلفاتكم التي تعدونها "جوهر مشروعكم في الأعلام"، فماذا تختارون؟ ولماذا؟
ج6: هناك كتابان في الأعلام يتنافسان ويتفاضلان، كل في مجاله، وكان اشتغالي بـ "تتمة الأعلام" امتدّ عشرين عامًا، أعدّها وأهذّبها وأمدّها بما استجد من معلومات. والهدف هو الترجمة لأعلام الإسلام، من علماء ودعاة ومجاهدين ومفكرين، ويأتي الآخرون تبعًا لهم. وعندما بدأت بالكتاب كانت الأمة مازالت ترزح تحت الضغوط الإعلامية والفكرية القومية والعلمانية، والوصول إلى تراجم أعلام الإسلام الذين لا يريد هذا الإعلام إظهارهم كان أمرًا صعبًا، فتوجهت إلى هذا العمل بصبر ومثابرة ومتابعة واطلاع واسع، في الكتب والمجلات والجرائد والمكتبات والإذاعات وعن طريق الأصحاب، ومساعدة ولدي الزبير. والحمد لله الذي يسّر، ونتج عنه (عشرة مجلدات) فيه أشهر الأعلام في أربعين سنة خلت.
أما الكتاب الثاني فهو (معجم المؤلفين المعاصرين: آثارهم المخطوطة والمفقودة وما طبع منها أو حقق بعد وفاتهم). وهو يهتم بما تركه المؤلفون المعاصرون من كتب لم يقدروا على طباعتها، فبقيت مخطوطة حبيسة المكتبات الشخصية، ومظنة الضياع، وعدم اهتمام الورثة بها. وإذا كنا نتحسر ونتباكى على تراثنا الإسلامي الضائع أو المنهوب، فهذا تراثنا الحديث بين أيدينا ونحن نضيّعه ولا نفعل له شيئًا. وبيَّن ما تركه معاصرون من كتب لا مثيل لها في النفع.
وقد طبع منذ نحو ربع قرن، وتابعته منذ ذلك اليوم، وزدت عليه أضعافه، ويكون في نحو ستة مجلدات إن شاء الله. وتعهّد ناشر كريم بطباعته، وقد يكون قريبًا بإذن الله.
س7: هذا الكم الهائل من تأليفاتكم يثير الدهشة والعجب! كم يبلغ عدد العناوين أو الصفحات ولو بشكل تقريبي؟ وهل هناك من المؤلفين ممن عاصركم أو عاش في القرن العشرين من وصلت آثاره ومصنفاته إلى هذا الكم؟ هل ترون أن لقب "سيوطي العصر" مناسب لكم أم تفضلون لقبًا آخر؟
ج7: عناوين الكتب والرسائل: (336) كتابًا ورسالة. والمقالات والبحوث (237) مقالًا وبحثًا. حتى شهر صفر 1448 هـ، آب 2026 م.
وقد عملت للأول ثبتًا معاصرًا في جزأين، مرتبًا على الموضوعات، فيه البيانات الكاملة لكل كتاب، وتعريف به، وصورة لغلافه.
والمقالات جمعت في أربعة أجزاء، مرتبة موضوعيًّا أيضًا.
ولا أعرف عدد صفحاتها، ولم أحاول عدّها.
أما إن كان هناك من بلغت تآليفه في عصرنا أكثر فلم أطلع على كلها، وإن كان متوقعًا ففي مصر، فقد ذكروا للأستاذ عبدالحليم الخفاجي أكثر، ولكن اختلفوا في عددها، والفارق بينهم المئات بالعدّ! وقد صنفت كتاب (المكثرون من التصنيف: من صنف مئة كتاب فأكثر) من مدة، وخصصت فصلًا للمعاصرين ممن بلغت مؤلفاته نحو 100 كتاب، فلتراجع هناك، ولم أضع اسمي بينهم.
ومن لقبني بسيوطي العصر طاش سهمه ولم يصب.
ولا أضفي عل نفسي لقبًا ما، واسمي الذي سماني به أبي أحب الأسماء والألقاب إلي.
س8: الملاحظ أن الكتابة والتأليف صارا سمة في أسرتكم من جهة الإخوة أو الأولاد! ما سرّ هذه "البيئة المنتجة" في بيتكم؟ وكيف وفقتم بين هذا الإنتاج الكبير وبين مسؤوليات الحياة والعمل؟
ج8: الحمد لله. نحن أسرة علم، والكل يتفاعل مع هذا اللقب الجميل، حقيقة، مع تفاوت بين شخص وآخر.
فلكل واحد من إخواني تأليف أو أكثر، ولكل أولادي (من ذكر أو أنثى) كتب أو رسائل. ولله الحمد والمنة.
أما التوفيق بين العلم والمسؤولية فكنت حريصًا عليهما معًا، وما كنت أفرّط في واحد دون الآخر، وكان حديثي في الأسرة غالبًا لا يتجاوز الجوانب العلمية والكتب، قولًا وعملًا.
س9: أصدرتم سلسلة مهمة من الأدلة الببليوغرافية، مثل "تكملة مؤلفات الحديث الشريف"، و"دليل مؤلفات علوم القرآن"، و"دليل مؤلفات علوم اللغة العربية". من خلال استقرائكم الواسع، كيف تقيّمون واقع حركة التأليف في هذه العلوم اليوم مقارنة بالماضي؟
ج9: الكتب في عصرنا أكثر، والعلم أقل. وإن شئت فقل: الكلام في الكتب المعاصرة كثير، ويمكن اختصاره إلى ربعه دون أن يؤثر في معناه. وكتب السلف متكاملة ومتناسقة، وأفضل وأكثر بركة. المنهج كان إسلاميًّا في التأليف، وصار في عصرنا ضمن إطار غربي، ولا تعطى شهادة جامعية إلا باتباعه! ولو أن الحافظ ابن حجر قدّم كتابه (فتح الباري) لجامعة (إسلامية) لم يحصل منها على درجة الدكتوراه؛ لأنه لا يتوافق مع نهجهم في (البحث العلمي) المنسوخ من الغرب، المفصّل على ثقافته وعلومه! مع أن مئات رسائل الدكتوراه والماجستير نوقشت في هذا الكتاب الجليل! وهذا من سوء التركيبة الجامعية، في تقليدها وسوء تعليمها. على أنه لا يعني عدم الاستفادة مما ينفع.
ومن المؤسف ألّا يكون هناك توجيه للكتاب الإسلامي في عصرنا! فكل يعمل وفق رغبته وتخصصه، من ناشرين ومراكز بحث، ولذلك ترى كتبًا تحقق وتطبع مرات، وموضوعات ضرورية أو منفعتها حاضرة قليلة أو لا يهتم بها!
وقد فكرت في هذا كثيرًا، وأعملت فيه فكري وأنا في قلق وتحفز إلى حل، فرأيت ضرورة إنشاء (الجمعية العالمية للكتاب الإسلامي)، التي ذكرت مهامها وفائدتها في مقال محكم، بل ضرورتها لتوجيه الكتاب الإسلامي، وتفعيل الثقافة الإسلامية، وتنسيق جهود العلماء والمفكرين وآثارهم العلمية في العالم الإسلامي، وترجمة أفضل كتبهم إلى لغات إسلامية وعالمية لتوزيعها، والتذكير بالموضوعات المهمة التي يحتاج إليها المجتمع الإسلامي لظروف طارئة، وعرضت المشروع على جهات إسلامية عالية، ولكن مع الأسف، كان مصيره الإهمال وعدم الرد. وطلبت تسليم المشروع باليد للتأكد... فكان الأمر نفسه.
وكان من أنصاف الحلول، أو البديل المؤقت لمشروع الجمعية الذي قمت به: إنشاء (مجلة الكتاب الإسلامي)؛ لتكون فصلية مهتمة بقضايا الكتاب الإسلامي، وأصدرت منها (25) عددًا وتوقفت.
واقتصرت في عملي في هذا الشأن على المسارد الموضوعية لأربعة موضوعات، في تتبع ما يصدر منها حديثًا في كتب، وتناقش من رسائل جامعية، وهي: (علوم القرآن، والحديث، والفقه، واللغة)، إضافة إلى حلقات متواصلة من كتب ورسائل (التراث الإسلامي) بموضوعاته المختلفة.
والحمد لله على توفيقه، فقد لاحظت نفعها، وسننت فيها سنة حسنة، والله المسؤول أن يتقبلها، ولا يحرمني أجرها.
س10: قضيتم عقودًا طويلة في إدارة الفهرسة والتصنيف بمكتبات خارج سورية، كيف انعكست هذه التجربة الوظيفية والمكتبية على إنتاجكم العلمي والشخصي في مجالات الأعلام والببليوغرافيا؟
ج10: لقد استفدت من المكتبات الحكومية والتجارية في المجالين اللذين ذكرتموهما، خارج الوطن، واطلعت على الكثير من جديد الكتب والمراجع التي كانت تقع بين يدي. ولم يكن الأمر في سهولة كل مرة، فكنت أحيانًا أوبَّخ وأُطرد، لطول بقائي، أو التحري في البحث بين الرفوف..
وأذكّر أن المكتبات بُنيت لنفع القارئ، ونشر العلم والثقافة، وليس لتكديس الكتب ورصّها وتخزينها فقط، فلا ينبغي أن يُبخَل بها على القرّاء. وهذه النفقات الكثيرة التي تصرف على المكتبات وموظفيها ينبغي أن تتاح أوعيتها ومعلوماتها بسهولة للمستفيدين، وبفنون متعددة.
الكرد والمكتبة
س11: في موسوعاتكم التراجمية، ما مدى وزن أو حضور العلماء والمؤلفين السوريين عمومًا، والكرد خصوصًا؟ وهل هناك أسماء كردية سورية أو غيرها ترون أنها مظلومة تراجمِيًا؟
لو كنت في بلدي لترجمت لكثيرين منهم غابوا عني، ولكني كنت مغتربًا، وأتلقف أخبارهم وسيرهم من خلال ما يصل إلي من كتب ومجلات، ونتف من أخبار من هنا وهناك. ولكن مع ذلك ترجمت لعدد لا بأس به، فلهم حضور جيد في (التتمة) وفي (التكملة) وفي (المعاصرين) أيضًا.
أما الكرد فكان حظُّهم أقلَّ بكثير، ومع ذلك فقد ترجمت للعشرات أو المئات منهم، ولو لم أكن صاحب هذه الكتب، لما وجد فيها إلا أسماء القليل منهم، فقد بذلت جهدًا مضاعفًا للحصول على ترجماتهم، لا لسبب قومي أو وطني، ولكن لأني أعرف أن جزيرتنا كان فيها مئات أو آلاف العلماء موزعين ومشتتين في القرى، أو في مدن ولا يؤبه بهم، وكثير منهم ماتوا ولم تدوّن اخبارهم، وكانوا أساتذة المجتمع، وناشري الثقافة الإسلامية، ومعلمي الكرد والعرب... فكان سؤالي: من لي بترجماتهم؟ حاولت أن أوظّف طلبة من المعاهد أو الكليات الشرعية للتجول في قراها صيفًا والتأريخ لعلمائها وإمدادي بسيرهم، ولكن كان هناك خوف عليهم من ذلك، كما أن أحوالي المادية ما كانت تشجعني على إمداد الطلبة بأجرتهم! فبقيت أتحسر وأنتظر، حتى زارنا في الرياض الشيخ (عبدالقادر علواني)، فعرضت عليه المشروع، فأعجبه، وتكفل به. ولكن لم يمض عليه الكثير حتى توفي! ثم قامت الثورة المباركة، فاختفى الأمل في تتبع التراجم وصعب أكثر. وسمعت أن أحد الملالي جمع مئات التراجم لعلماء وملالي عموم كردستان، فكانت أمنيتي الظفر بكتابه أو موسوعته وتحقيقها ونشرها، ولكن ذلك لم يتم أيضًا، في قصة طويلة!
س12: هل تعملون حاليًا، أو تضعون في خططكم القادمة، مشروعًا ببليوغرافيًا أو موسوعة تراجم متخصصة حصرية بالكرد، مثل «معجم المؤلفين الكرد» أو «تراجم علماء الكرد»؟
أو على الأقل في سوريا، أو ممن عرفتم في بيئة الجزيرة السورية التي عشتم فيها طفولتكم وفتوتكم؟
ج12: مع الأسف توقفت عن التأليف والتحقيق من مدة، ولا أتابع حتى الوفيات، إلا ما ندر ولشأن خاص، فقد فترت الهمة، وكلَّ الذهن، وتعب النظر، وضعفت الذاكرة، ولا أتابع إلا ما سهل تدوينه، ولم يصعب تأليفه، وهو متابعة ما استجدّ من الكتب ذات الموضوعات المذكورة.
وأشير إلى أنه كان لي مقترح مشروع (طبقات علماء كردستان)، وصدر الجزء الأول منه بتحرير من قبلي، وإشراف وتقديم من قبل أستاذنا مصطفى مسلم رحمه الله، وفيه تراجم مجموعة من علماء الكرد بقلمي، وهو من إصدار (جمعية علماء كردستان)، التي انطفأت بعد إشراقها بسنوات قليلة، وتوقفت بذلك مشروعاتها العلمية والثقافية. (معه صورة من غلاف الكتاب).
س13: هل أفردتم في مؤلفاتكم عناية خاصة بتوثيق أعلام الكرد أو الكتابة عن التراث الكردي؟ وما أبرز الكتب التي تناولت هذا الجانب في مكتبتكم؟
ج13: كتاباتي عن أعلام الكرد كما قلت موزعة في كتب التراجم، ولو جمعات لكانت مئات، ولم أفرد سوى كتاب واحد في الأكراد، وهو (المرأة الكردية في التاريخ الإسلامي: تراجم أميرات كرديات ومحدّثات عالمات) الذي ترجم إلى التركية والفارسية والألمانية.
وقمت بنوع إشراف أو تحرير لثلاثة كتب، ولي في كل واحد منها مقال أو أكثر، وهي: الشعب الكردي المسلم: المخاطر والمعاناة، صفحات مشرقة من تاريخ الأكراد، علماء أكراد (من موسوعة طبقات علماء كردستان).
وكتبت في مجلة كردية إسلامية تصدر بالعربية مقالات تاريخية وسياسية باسم مستعار (دلبرين) في أعدادها الأولى الصادرة عام 1402 هـ، 1982 م.
ولي كتابات في الأكراد بين مقالاتي الجديدة التي جمعتها في أربعة أجزاء.
وأخيرًا، فإن ذكرياتي المطبوعة (سلام من جزيرة منسية) يعتبر كتابًا توثيقيًّا وأدبيًّا وتاريخيًّا في حال الكرد خاصة.
س14: كيف تقيّمون إسهام النخب الفكرية والعلمية الكردية في إثراء المكتبة الإسلامية والعربية عبر التاريخ؟ وهل تعتقدون أن هذا الإرث نال حقه من الدراسة والتحقيق؟
ج14: أما مشاركاتهم العلمية في تراثنا الإسلامي فكثيرة، فقد شاركوا في التقنين والتـأريخ لعلوم مهمة، بقيت منهلاً لطلاب العلم ومرجعًا لهم حتى يومنا هذا، مثل كتب ابن الصلاح الشهرزوري، وأبناء الأثير، وغيرهم رحمهم الله. فأنعم بمشاركاتهم وأكرم.
وليس لدي اطلاع كاف على ما صدر أو يصدر من كتب في الأكراد في يومنا حتى أقوّمها، وما اطلعت عليه منها بعضه حسن، وبعضه يحتاج إلى مراجعة، وبعضه الآخر فيه ضرر على الكرد وواقعهم وتاريخهم. ويلزم أن يكون هناك مؤرخون كرد إسلاميون يفرزون الخبيث من الطيب، فقد كثر بين مثقفي الكرد القوميين من يمتهن التاريخ الإسلامي العظيم لهم، ويحتقرون بطولاته وفتوحاته، ولا يأبهون بالجهود العلمية والجوانب الحضارية الرائعة لعلمائه، وهم يتعمدون الإيذاء بذلك، بل يكذبون، لبعدهم عن دين الإسلام، وصرف الأكراد عنه.
سورية... من المنع إلى إعادة البناء
س15: عشتم عقودًا خارج سورية، وكنتم ضمن قائمة الممنوعين [المطلوبين] من الدخول لأسباب سياسية وفكرية. كيف كنتم تقرؤون واقع الحريات الأكاديمية والثقافية، ووضع المكون الكردي تحديدًا، في ظل النظام السابق؟
ج15: كان جحيمًا لا يطاق، وأمرًا لا يتحمل، فلا ثقافة في البلد إلا ما يسمح به الرئيس الطاغية، ولا إعلام إلا إعلامه، ولا رجال إلا زبانيته، والويل لمن يذكره بسوء، أو لا يضع صورته. ولذلك كانت المراكز والهيئات الثقافية الحكومية كلها من نوع لغة الخشب التي يرددونها، ومثلها المؤسسات غير الحكومية التي تعد ظلالًا لها، فتدور في فلكها، أو لا تخرج بشيء يذكر خارج نطاقها.
والأكراد كانوا في مأزق أكبر، وإن كان بعض قادتهم منحرفين مثلهم، ولكن يكفي الفرد أنه (كردي) حتى يحطَّ من قدره.
كنت في سفرياتي بالجزيرة أتأبط كتبًا ومجلات أقرأ فيها عند الركوب، وأثناء الانتظار، وذهبت مرة إلى مكتب حزب البعث بمدينة الحسكة أسأل عن سبب طردي من التدريس، وكان المسؤول (دنحو داود)، فرأى مجلة (الفيصل) في يدي، فقال لمن عنده: انظروا إلى هذا يحمل مجلة للإخوان المسلمين ويقول لماذا تطردوني من التدريس! مع أنها كانت مجلة حداثية لا تجد فيها كلامًا عن الدين، ولكن كان هذا أحسن الموجود لمعلم يدرّس التربية الإسلامية!! والباقي شعارات جوفاء وثقافات قومية واشتراكية حمراء!
وكانت هذه المجلة لا تصل إلى الأسواق إلا بإذن من وزارة الإعلام البعثية ...
وكتب أستاذنا (خاشع حقي) مرة على ورقة الاختبارات (بسم الله الرحمن الرحيم)، وطبعت ووزعت على الطلاب، وأوصلوا الخبر إلى المخابرات وفروع الحزب ليستدركوا الأمر ويعاقبوا الشيخ، وأقاموا الدنيا وأقعدوها عليه لأجل كتابة البسملة!!!
وللعبرة، والمبالغة في الإيذاء والترهيب والتهديد، أرسلت المخابرات مع أبي في زيارة له إلى الرياض، أنهم يغتنمون فرصة لاغتيالي في الرياض! وأنا لم أفعل شيئًا يذكر، ولم أحمل سلاحًا، ولكن هربت من ظلمهم! وكنت أمشي في الطرق وأفتح صدري وأدعو الله قائلًا: اللهم طلقة في صدري تنهي حياتي شهيدًا.
س16: أدت عقود التهميش والأدلجة إلى هجرة واسعة للعقول السورية والكردية ونخب البيئة الجزراوية. كيف تصفون أثر هذه الهجرة في المشهد الثقافي السوري؟
ج16: لا شك أنها مأساة للبلد، وللشعب، وللتعليم، وللنهضة.. ولكن هذا ما كان يريده الطغاة ويخططون له، فصارت سورية الحضارة بلدًا فقيرًا متأخرًا منهكًا وملاذًا للعصابات والمفسدين والمجرمين وتجار المخدرات، وهَجرتها العقولُ العلمية العالية التي تبني، وتعمّر ولا تدمر.
والجزيرة كادت أن تخلو من رجالها وشبابها وأطفالها، وخاصة المناطق الكردية، عدا الكوادر العلمية والخبرات العملية الجبارة، فكانت مأساتها أكبر! ولم يكن هذا بسبب الحكومة البعثية والطائفية وحدها، بل من بطش بعض قادة وحكام الكرد أيضًا، وكان أشدَّ ألمًا.
س17: عدتم إلى سوريا بعد "التحرير" وأقمتم في دمشق نحو أسبوعين. صفوا لنا شعوركم في اللحظات الأولى ومدة إقامتكم. ما الذي تغير؟ وما الذي ظل كما هو؟ وما الذي تحتاج إليه سورية ثقافيًا اليوم؟
ج17: كان شعورًا (فردوسيًّا)! بل مفاجأة لي، فما توقعت أن يكون النصر بهذه السرعة، وبهذه (السهولة)، دون حرب تذكر!
وبدأت الحكاية من الحدود اللبنانية - التي دخلنا منها - فدخلت المكتب، فإذا بشاب أشقر ملتح يكتب وراء الحاسب، وتسلم بطاقتي، وبعد لحظات ابتسم وقال: ما شاء الله، من عام 1981 م! فرددت بابتسامة عريضة، وقلت مزهوًّا: نعم، من أكثر من أربعين عامًا!
وربما قلت في نفسي: ماذا لو قبضوا علينا وقالوا: أين كنتم؟ لماذا لم تقاتلوا عن بلدكم؟ يجب أن تُحاسَبوا..
ولكن لم يحدث هذا.. وكأنهم عرفوا ضعفنا في غربتنا، وأن كثيرين منا بذلوا أموالهم وأولادهم في سبيل دينهم وأرضهم..
وقد بقيت في العاصمة مع ولدي أنس نحو عشرين يومًا، زرت فيها أهلي، وزارني من الجزيرة أقرباء وأحباب، وما استطعت زيارة الجزيرة حتى اليوم، فالأحوال الأمنية هناك ما زالت حرجة.
ولم أعرف سوى مواقع بدمشق، فقد حال طولُ الغربة بيني وبين وصفها. وكانت الفوضى ظاهرة عندما زرتها، وخاصة المرور؛ لعدم الترتيبات الأمنية الكافية، وغياب خدمات المرافق العامة تقريبًا.
س18: نعيش اليوم مرحلة إعادة البناء. برأيكم، ما الدور المأمول من المثقف والمحقق والمؤرخ في سورية الجديدة؟
ج18: كل يعمل بما يقدر عليه، إن مُنح منصبًا أو لم يُمنح. يعمل بالروح الإيجابية والشعور بالمسؤولية في البناء والإنتاج، بالتعاون والتفاعل مع الآخرين، ليعود الخير على الجميع.
ولن تخلو الأمور من آراء وملاحظات وأخطاء هنا وهناك، والمطلوب التسلح بالعقل والوعي والفطنة، فالحوار والنقد يكون بالحكمة، والبناء يكون بالتدرج، والجوانب الأمنية بالسياسة الشرعية، وليس بالفتنة والإثارة، والسبّ والتحقير.
والمثقف يأخذ بالعلم النافع، والعمل الصالح، وليس بالفلسفات الفارغة والنظريات الوهمية. فلا خير في علم لا ينفع، وثقافةٍ تهدم وتزعزع الاستقرار وتخرّب الضمائر وتنشر الفواحش.
س19: سورية بلد تنوع لغوي وعرقي: عربي، كردي، تركماني، شركسي... إلخ. كيف يمكن توظيف هذا التنوع ليكون مصدر قوة واستقرار، لا سبب فرقة، في بناء هوية وطنية جامعة؟
ج19: العمل الجماعي (الفريق الواحد) بإخلاص وإتقان هو المطلوب، فإن التفرق تشرذم وضعف، وآثاره السيئة تعود على الفرد والمجتمع. وفي الاجتماع قوة ونماء، وراحة وسعادة.
والتنوع لا يعني الاختلاف، إذا كان الجميع يحصل على الحقوق نفسها، فإذا صار هناك تمييز وظلم نشأ الخلاف وتباغضت النفوس وتصادمت.
وينبغي على الفرد ألّا يكون مصدر فتنة وتفرقة لهوى في نفسه، وإنما يكون وسطًا، محبًّا للخير، له وللآخرين، ولا يكون أنانيًّا متعصبًا لقوميته ومبغضًا لقوميات أخرى؛ فإن هذه عنصرية مرفوضة.
وصايا ومشروعات مستقبلية
س20: في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، كيف تقيّمون حال التوثيق والأرشفة في العالم العربي مقارنة بالجهد الفردي الضخم الذي بذلتموه في الفهارس؟ وهل خدمت التكنولوجيا الباحث فعلًا؟ وما مقترحاتكم لإنشاء مكتبات وأرشيفات تليق بسورية الجديدة؟
ج20: لا شك أن التقنية المستحدثة في المعلومات ووسائلها تقدمت تقدمًا هائلًا، وما زالت الجهود العربية تتلكأ وتتعثر في هذا وكأنها لا تلحق أن تصيد كل طائر!
ولن يقيم سورية يدٌ واحدة، ولا يكون هذا برأي واحد، في هذا المجال وغيره.
الأمر يتعلق بعقول قادرة، وتخصصات عالية، ومواهب كامنة، واجتماعات متوافقة، وأعمال وإنجازات واضحة، والاستفادة من تجارب الآخرين.
ولا أريد أن أتسرع في الحكم على الجانب المكتبي فيها وأنا لا أعرف مخططات أهله وبرامجهم الجديدة في التقدم التقني المعلوماتي.
والمهم أن تكون هناك استفادة أكثر وأسرع بالتقنيات الحديثة، مع تنوع جاد في المعلومات التي ينبغي تقديمها، وكما يأتي في الفقرة التالية.
س22: بصفتكم خبيرًا في علم الببليوغرافيا وتتبع حركة التأليف، كيف ترون تأثير النشر الإلكتروني والكتب الرقمية في حفظ التراث ووصوله إلى الباحثين مقارنة بالكتاب الورقي؟
ج22: هذا مهم جدًّا، والأمر يتعلق بالهمم، والتخطيط الناضج الفعّال، والقرارات النافعة الملزمة، من المديرين خاصة.
ويكون أسهل تنفيذًا لقلة مصاريفها، إذا كانت اليد الخبيرة موجودة.
وحركة النشر الإلكتروني تبدأ من المكتبة الوطنية، التي هي مصدر كبير للمعلومات، وأمل للباحثين. فيقع عليها عبء كبير في الإعداد وتوفير المعلومات، من خلال مخزونها المعلوماتي وأوعيتها الجديدة والمتجددة.
ولو كان الأمر بيدي لجعلت هذه المكتبة مثالًا عالميًا لنشر المعلومات وإتاحتها للجميع، وأمرت موظفيها بنسخ كل كتاب نافع في المكتبة وإتاحته للقراءة، ما لم يكن متاحًا في مواقع أخرى، ولا يوجد عند سواها، مع مراعاة الحقوق، وخاصة النوادر التي تحتفظ بها المكتبة ولا يعرف الناس عنها شيئًا، والمخطوطات التي لم تزل غير مفهرسة أو لم تتح للقراء إلكترونيًّا - إن وجدت - تتاح بدون استثناء.
إن المكتبات الوطنية لم تُنشأ لخزن الكتب والاحتفاظ بالوثائق وأوعية المعلومات عامة فقط، وحرمان الناس من الوصول إليها، أو وضع عراقيل كبيرة أمامها، فهذه من حقوق المستفيدين، ومن حقهم أن يحصلوا عليها من غير تقديم طلب.
والمكتبات الغربية سبقتنا في هذا، فهي التي بدأت بنشر مخطوطاتها ونوادرها للناس على الشبكة العالمية للمعلومات، ونحن مازلنا نفكر ونتلكأ، أو لم نقدم كل المطلوب. وهذا نقص كبير في الحياة الثقافية، وتقصير لا يغتفر، واستهانة بحقوق المستفيدين.
وفي زيارة لمواقع المكتبات الوطنية نجد تقصيرًا واضحاً في تسهيل الحصول على المعلومات المطلوبة، بل إن تصميمها وإخراجها قديم أو غير كاف!
س23: لديكم مذكرات مطبوعة عن الجزيرة السورية. هل في نيتكم كتابة مذكرات موسعة توثق مسيرة سورية من حقبة البعث حتى اليوم، على غرار تجربة الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله وامتدادًا لها إن صح التعبير؟
ج23: مذكراتي (سلام من جزيرة منسية) تخص ذكريات الصبا والشباب فقط، حتى بلغت الخامسة والعشرين، وتتوقف بالانطلاق إلى خارج حدود بلدي وعدم العودة إليه لمدة (46) سنة. وقد ذكرت أنه ليس تأريخًا للمنطقة، وإن كان فيه تاريخ اجتماعي وأحوال سياسية ودلالات أخرى، فالتاريخ والتوثيق يكتب بقلم آخر. وهي قطعة أدبية أيضًا، فقد كتبت بأسلوب مشوّق، وببلاغة وإيجاز. ولم يكن في نيتي تكميلها لأسباب، ثم إنه لم تعد لي قدرة على التذكر والتوسع في الكتابة.
س24: بعد هذه المسيرة الحافلة، ما الموضوع أو الكتاب الذي لا يزال في ذهنكم وتتمنون تأليفه ولم تسعفكم الأيام بعد؟ وما مشروعاتكم البحثية القادمة؟
ج24: إن حسرتي على علماء الجزيرة الحبيبة، الذين مات أكثرهم، واحدًا تلو الآخر، وكانوا الشعلة المضاءة على أرضها، والأساتذةَ الذين علمونا الكتابة وتلاوة والقرآن ومبادئ الدين. ماتوا وماتت معهم أخبارهم، ولم يُعرف عنهم ما يبين فضلهم ويوثق تاريخهم، بل صاروا في العقود الأخيرة موضع استهزاء وتهكم وتحقير، وغمط لحقوقهم ومكانتهم الرفيعة، لأن القادة القوميين بعيدون عن هذا المسلك، ومعظمهم لا يهمهم دين وإيمان، ولا يأبهون بكردي غير قومي!
مات علماؤنا ولم تدون سيرهم وتوثق أحوالهم وتبيّن فضائلهم وتحتفظ بآثارهم العلمية. وتحسّري في هذا لأني مهتم بالتراجم ولم أترجم لهم إلا قليلًا، فلم أكن هناك، ولم أستطع متابعتهم من بعيد كما ذكرت. وسيبقى هذا حسرة في قلبي، وغصة لا أستطيع تجاوزها، حتى أعرف إنجازها من أطراف أخرى...
وليست لي مشاريع بحثية أخرى، فقد امتدَّ بي العمر، ولا يطاوعني ذهني في متابعة البحث الصعب والكتابة العميقة.
وأدعو الله تعالى أن ينفع بما قدمت، وأن ييسر وصول مؤلفاتي وتحقيقاتي كلها إلى مكتبات سورية ومراكزها الثقافية، فقد كان النظام السابق منع معظمها.
س25: ما نصيحتكم للباحثين الشباب الذين يريدون الدخول إلى عالم التأليف وتحقيق التراث في ظل تشتت الجهود وعالم الرقمنة الهائل؟
ج25: البحث لا ينتهي، والتأليف يستمر، فالعقل الذي أودعه الله في خلقه يتحمل ويستجد ويتفاعل مع موضوعات لا حصر لها.
وكل ينظر في موهبته، وما يحبه ويتفاعل معه ويعلم أنه سيعطيه حقه، في موضوع تراثي أو معاصر، أو ما يجمع بينهما، والمهم في: العلم، والإتقان، والتخطيط، والإخلاص، وحاجة الوطن والمجتمع، والنفع.
س26: كيف يمكن للإعلام الرسمي، مثل القسم الكردي في وكالة "سانا"، أن يسهم في إحياء التراث المشترك ومد جسور التواصل بين مكونات الشعب السوري؟
ج26: بتقديم ما هو نافع وأصيل، ويخص الأطراف جميعًا، والبعد عن العصبية المثيرة المقيتة، والتعامل مع كل ما هو طيب ومفيد، من علم وثقافة وعادة وخُلق.
والذي يجمع ولا يفرق، وينفع ولا يضر، هو الإسلام، بتعاليمه السمحة، وآدابه العالية.
كلمة أخيرة:
س27: بمَ تنصحون القارئ الشاب والكاتب الشاب في هذا الزمن؟ وما وصيتكم لأهل سورية بمختلف فئاتهم وطبقاتهم؟
ج27: أنصح الشاب بالتعلم والتدرب، والتردد على شيوخ العلم للتأدب، واختيار الصديق الأمين والجادّ في حياته، وعدم تضييع الوقت فيما لا ينفع، والقيام بما يقدر عليه في الأسرة، والمشاركة في الأعمال الخيرية، والرحلات الكشفية، والبعد عن أماكن اللهو والفتنة، وحراسة الفضيلة مع الآخرين...
والوصية لأهل سورية بالتعاون على الخير، والضرب على يد أهل الشرّ، الذين يريدون تخريب البلاد، والعودة إلى أيام الظلم والطغيان والإجرام.
(ملاحظة: اللقاء هنا كما أُجري مع الكاتب وبأجوبته دون تحرير وتهذيب من الوكالة، وسلم في 20 ربيع الأول 1448 هـ، 2 أيلول 2026 م).