عبر هادفة ... في ذكريات منسية !

اللواء جميل بن محمد الميمان كان ضابط أمن كبير، عمل مديراً للإدارة العامة لمكافحة المخدرات في بلاد الحرمين، واعتلى مناصب أمنية أخرى كبيرة وحساسة، في تاريخ مشهود له بالأمانة والإخلاص، وكان لا يستصعب عليه شيء، ولا يردُّ طلباً... كان نادرة الرجال، شهماً شجاعاً، من أذكياء الدنيا، نشأته بمكة المكرمة، ووفاته بالرياض سنة 1427 هـ. تعرفت عليه وزرته في المسجد القريب من بيته بحيِّ المحمدية في الرياض، الذي كان يتعبد فيه ما بين المغرب والعشاء، قبل وفاته بشهور، وعملت له ترجمة طيبة في "تتمة الأعلام".

أكمل ذكرياته في ثلاثة أجزاء لطيفة، صدر الثالث منه وهو على فراش الموت! ولما قرأتها ورأيت فائدتها طلبت منه أن ينشرها مجتمعة في دار نشر لبنانية ليستفاد منها على نطاق واسع، فهي من أنفع وأحسن الكتب التي وقعت عليها عيني، وأثرت فيَّ تأثيراً بالغاً... ووعد بذلك بعد نشر الثالث منها... وتوفي إلى رحمة الله.

وقد أصدرها تحت عنوان "ذكريات ومذكرات وعبر هادفة" على نفقته، وكان يوزعها مجاناً، ويضعها في "مكتبة ازدهار المعرفة" القريبة منه.

وأحببت أن أنقل منها فقرات للقارئ، من كل جزء فقرة.

 

(دعاء .. وقصة)

قبل فترة طويلة كنت في الحرم المكي لانتظار صلاة العشاء، فجاء إلي صديق شاب أشهد له بالخير، ولا أزكي على الله أحداً، قال لي والدموع تنهمر من عينيه: إن والد زوجته طلب منه طلاق ابنته فرفض طلبه، لأن ما حدث بينه وبين زوجته هو خلاف بسيط يحدث بين الزوجين ولا يوجب الطلاق. فأصرَّ على موقفه، وحجر الزوجة عنده. فوسط له عدداً من الأقارب والأصدقاء، فرفض عودتها له، وتقدَّم بدعوى الطلاق في المحكمة الكبرى، وتقرَّر موعد الجلسة بعد أسبوع.

ولما كنت أعرف أن الزوج يحبُّ زوجته كثيراً، وأن ما حدث بينهما لا يوجب الطلاق، ولعلمي بأن الزوجة تحبُّه أيضاً، وأن والدها عنيد، قلت لصديقي: قم. وذهبت به إلى رجل فاضل من أهل العلم والصلاح والتقوى كان موجوداً في الحرم، وقلت له: يا شيخ، هذا الأخ حصل بينه وبين زوجته خلاف بسيط، وإن والدها طلب منه طلاقها فرفض، أرجوك أن تدعو له، وتنصحه بدعاء مأثور يتناسب مع قضيته.

فدعا له بالخير وقال له: أكثر من قول: (ربِّ إني مغلوبٌ فانتصِرْ)، و"لا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم"، وسترى العجب إن شاء الله.

فذهب الشاب وطاف بالكعبة المشرَّفة، وهو يردِّد وصية الشيخ بإيمان وتضرُّع وانكسار. وبعد ثلاثة أيام رأيتهما معاً يطوفان بالكعبة المشرفة والسرور والبهجة تشيع في وجهه، فانتظرتهما عند مقام إبراهيم عليه السلام حتى انتهيا من الطواف، وسألته عما حدث، فقال: كرَّرت وصية الشيخ ليلة كاملة وأنا أطوف بالكعبة المشرَّفة، وفي سجودي. وفي اليوم الثاني جاءت زوجتي بمحض إرادتها وموافقة والدها إلى داري. وحمد الله وشكره وأثنى عليه. (ذكرياته 1/65).

 

(الانتقام الرباني السريع)

أثناء عملي بشرطة العاصمة المقدسة قبل حوالي ثلاثين عاماً، روى لي الشيخ "حسن لبني" رحمه الله وأسكنه فسيح جناته –الشيخ حسن من أبرز المؤذنين وأجملهم صوتاً بالمسجد الحرام- قصَّة شاب يُدعى عبدالله، جاء إليه وأخبره بأنه خطب ابنة جاره فوافق والدها من حيث المبدأ، وطلب منه صداقاً خمسة آلاف ريال يدفعه في الحال، على أن يتمَّ العقد والزواج في العطلة الدراسية. فدفع المبلغ حسب طلبه، ولما بدأت العطلة راجعه لتحديد الموعد، فأنكر الاتفاق معه واستلام المبلغ، فذُهل الشاب! فوسَّط له عدداً من أهل الخير، فأصرَّ على الإنكار!! فتقدَّم بدعوى عليه في المحكمة الشرعية الكبرى بمكة المكرمة.

وفي يوم الجلسة قال القاضي للمدَّعى عليه: إن هذا الحاضرَ بالمجلس الشرعي يدَّعي عليك بمبلغ خمسة آلاف ريال أخذتَهُ منه على أساس صداقٍ لابنتك، ولم تفِ بوعدك، ولم تردَّ إليه المبلغ.

فأقسم بالله العظيم أنه كاذب في دعواه!

فانتقم الله منه في الحال، حيث فقدَ بصرَهُ وأغمي عليه ونُقل محمولاً إلى داره!!

وبعد صلاة العصر من نفس اليوم ذهب إليه الشيخ حسن لبني لزيارته فوجده في أسوأ حال، وأعطاه المبلغ ليسلمه للشاب ويطلب منه السماح، وفي اليوم التالي توفي إلى رحمة الله.

وكان لهذا الحادث الجلل الأثرُ البالغ في نفوس من سمعوا به، وحديث الناس في المنطقة الغربية لمدة طويلة.

وأذكر أن شخصاً تزوج فتاة بكراً ودخل عليها، وفي اليوم الثاني ادَّعى أنها ثيِّب ولم تكن بكراً، وطلب من والدها ردَّ الصداق الذي دفعه لها، فطلب منه أن يحلف بالله العظيم أنه وجدها ثيِّباً، فحلف. وفي الحال انتقم الله منه، فأصيب بجلطة في الدماغ وشُلَّ شللاً كاملاً لجميع أطرافه، وبقي على حالته السيئة سنين طويلة للعبرة والاتعاظ، ثم توفي بعد أن قاسى شتى ألوان العذاب.

أما الفتاة المظلومة فقد تهافت عليها الشباب الصالح، فكانت من نصيب أفضلهم حالاً ومالاً وجمالاً ونسباً. {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [سورة الحج: 38]، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون} [سورة الشعراء: 227]. (ذكرياته 2/39-40).