التنويرية المظلمة

حركة التنوير – لمن لا يعرفها – تقدِّس العقل، وتهاجم الدين، وتعتبره من مخلفات البدائية والخرافة. وقد نشأت في الغرب، في قصة صراع مرير مع الكنيسة، وامتدت إلى العالم الإسلامي في غزو فكري مكثف. ويستخدم الليبراليون هذا المصطلح كثيرًا لأنه لفظ برّاق مخادع.

ويتلخص برنامج هذه الحركة وشعارها بقولها: "إن أنوار العقل الطبيعي وحدها هي القادرة على قيادة بني الإنسان إلى كمال العلم والحكمة".

ويعرف بهذا أنها حركة علمانية في وضوح وجلاء، لا تعتدُّ بالوحي مطلقًا، بل تشكك بكل المعتقدات الدينية.

وفي البلاد الإسلامية تطلق على حركة التثقيف والتجديد والتحديث التي بدأت منذ نحو قرن ونصف القرن، متأثرة بالتنويرية الغربية ونهجها، جاهدة في الانفلات من الدين، ونبذ أحكامه وتشريعاته.

وقد نشط لها أولاً مثقفون وصحفيون من الموارنة والأقباط، أولهم (أمين شميل) (ت 1897م) الذي دعا إلى استبدال العامية بالفصحى، و(شبلي شميل) (ت 1917م) المدافع المستميت عن الداروينية والفلسفة المادية... وآخرون أمثالهما، الذين أنشؤوا مجلة (المقتطف) ونشروا فيها سمومهم، وتابعهم في ذلك مسلمون.. وأبرزهم الآن (جابر عصفور) كبير الحداثيين في مصر والعالم العربي، الذي قاد حملة لإحياء التنوير بمفهومه الغربي. ومثله محمد أركون، وصادق جلال العظم، وطيب تيزيني.

ويستعمل أفرادها النهج الوضعي المادي التجريبي، الذي أدَّى إلى الإلحاد، وإنكار الوحي، والعلمانية.

ومن المؤسف أن يقلدهم بعض الكتّاب والمثقفين المسلمين، ويلبِّسوا دعوتهم الإسلامية بغلاف (تنويري) طلبًا للنزعة التجديدية، مما أوقعهم في شطحات غير مقبولة، بل وأخطاء قاتلة، وخرج بعضهم على العقائد والأصول، أمثال محمد شحرور، ونصر حامد أبو زيد، الذي كان يعتبر القرآن الكريم نصًا بشريًا ولغويًا، ومنتجًا ثقافيًا لا قداسة له، وأن الوحي مجرد ظاهرة، وكل ذلك قابل للنقاش والأخذ والرد! وقد خرج الحكم من محكمة الأحوال الشخصية بارتداده، كما حكمت بتفريقه عن زوجته لكفره كفرًا واضحًا، واعتبر بذلك مرتدًا، فهرب إلى هولندا بتدبير من الدولة... ومات بفيروس غامض لم يعرفه الأطباء.

وقد سمعت أنه كان ذا بدايات طيبة، ولكن العلمانيين والحداثيين مازالوا يوردون له الشبهة تلو الأخرى حتى انحرف..

واتخذ العلمانيون شعار (التنوير) لتصوير معركة بين الإسلام والعلم، وبين الدين والعقل، للتخلص من الماضي، والنهوض بالمستقبل، غير آبهين بالردود في بيان الفرق الشاسع بين الكنيسة والإسلام.

وقد أدرك بعضهم من بعد أن التنوير الزائف في بلادنا ما هو إلا عبث بالأمة، ومسخ لتراثها!

(اعتمدت في بيان هذه الحركة على موسوعة المذاهب الفكرية، مع إضافات).