اعتدال

كنتُ معتدلًا في سيرتي الدعويةِ والكتابيةِ منذ شبابي،

هادئًا، حذرًا،

لا أجرحُ ولا أهاجم،

وإذا نقدتُ فبأدب، أو دونَ تعيينِ اسم.

ولم تكنْ في بيئتي دعوةٌ سلفية،

ومع ذلك لم أسلكْ طريقةً صوفية،

وإن كنتُ محبًّا للتصوفِ المعتدل،

بعيدًا عن الشطحاتِ والمصطلحاتِ المريبةِ والغامضة،

رافضًا تقديسَ الشيوخ، محترمًا وموقرًا الملتزمين منهم.

وانتقلتُ إلى بيئةٍ لا تسمحُ بسوى سلفيةٍ انطلقتْ من بيئتها،

وثقةُ أهلها بعلمائهم، وأكثرُ اعتمادهم عليهم في العقيدةِ دون علماءِ الأمة،

واعتَبرتْ غيرَها انحرافًا أو ضلالًا وفِرَقًا، وأعني الأشاعرةَ خاصة، وهم عامةُ أمةِ الإسلام.

وبقيتُ على اعتدالي بفضلِ الله،

ولم أتسلَّفْ بسلفيةٍ متلبِّسةٍ باجتهاداتٍ خاصَّةٍ عُمِّمتْ ولم يتفقْ عليها علماءُ السنة،

على الرغمِ من بقائي هناك نحو (40) عامًا!

وقد عشتُ معظمَ حياتي بين كتبِ السلفِ ومحبًّا لهم،

وخدمتُ كتبهم، ونشرتُ أقوالَهم وحكمهم ووصاياهم،

وقصصهم وفوائدهم ونوادرَ أخبارهم،

وأشدتُ بعلومهم وعبقرياتهم وبمواقفهم العظيمة،

في عشراتٍ من الكتب، جمعًا وتأليفًا وتحقيقًا.

ثم انتقلتُ إلى بيئةٍ مغايرةٍ للسلفية،

لا تعترفُ بها ولا تقيمُ لها وزنًا!

وأنا أحسبُ أنني ما زلتُ في اعتدال،

ولم تردني ملاحظةٌ أني خالفتُ أشعريةً أو سلفية،

فأنا آخذُ من هذا وذاك، ومن رجالهم جميعًا،

فكلُّهم أهلُ سنَّة، وإن اختلفوا في مواضع، شأنَ المجتهدين،

وأنهجُ نهجَ التعاونِ والاتفاق،

بعيدًا عن الاختلاف،

ولا أقربُ من الخصام.

أستفيدُ منهم بدونِ حرج، فلا غلَّ ولا كراهية،

وعند الاختلافِ أختارُ بحذر، وأبحثُ عن الدليل،

أو أقلِّدُ عالمًا أثقُ بعلمهِ ولا أعرفُ منه سوى العلمِ والصلاح،

وإلا فقد وسعني السكوت.

أسألُ اللهَ الثباتَ على الحق،

والموتَ على الإيمان،

والفوزَ برضاهُ سبحانه،

وأعوذُ به من دعوةٍ تشقُّ صفًّا للمسلمين،

أو خصامٍ يؤدي إلى فتنةٍ بينهم،

أو اجتهادٍ يُضلُّهم.

وهو حسبي وليًّا وناصرًا.

ورحمَ الله من ساندني في حقّ،

وجبرَ ضعفي وسترَ عيبي،

فدعا لي وسامحني.

(محمد خير رمضان يوسف)

13/10/1439 هـ