المؤلف والوصف
ملاحظات ببليوغرافية
الحديث عن الشهداء حديث له رهبة في النفس، ووجل في القلب، وخشية في الضمائر؛ لأن نفوسهم تسامت فوق الشهوات، وتعالت على حظوظها، وباعت أرواحها لله سبحانه وتعالى، ووهبت حياتها لأوطانها وديارها فداء لعزة المسلمين، وحفظاً لأعراضهم ودمائهم، فهم رجال مبادئ وقيم لا رجال مناصب وكراسي وأطماع، أرادوا لمبادئهم أن تسود، ولأفكارهم أن تعلو وتسمو وتستقر، وتحيا أبد الدهر، مرفوعة شامخة...
هذا ما بدأ به المؤلف كتابه الضخم، الذي يقع في خمسة مجلدات، كله عن شهداء من العصر الحديث، بل المعاصر، ومعظمهم من فلسطين الحبيبة السليبة.
وقد حاولت جاهداً أن أجد ما أقدمه أو أعلق عليه فلم أقدر في حينه، بل لم أستطع متابعة قراءة سيرهم وقصص استشهادهم، ذلك أنني كنت أستحقر حياتي وأتقزَّم أمام هؤلاء الشباب المجاهد حتى أجدني لا شيء في الحياة!
كانت كلماتهم الأخيرة ووصاياهم لأمهاتهم وإخوانهم الصغار تلهب مشاعري كلها، وتضرم نيراناً في قلبي، حتى يكاد أن يتزحزح من موقعه، أو أن يخرج مع الروح إلى حيث هم!
أما قصص بطولاتهم وشجاعتهم، فلا يقدر أن يصوِّرها قلم، ولو نفذ إلى باطن كلِّ شهيد ليرى ما فيه!
إنها لا تكاد تصدَّق! شباب غضٌّ كالأغصان النديَّة يدخلون سجون اليهود ومعتقلاتهم، فيعذَّبون أقسى أنواع التعذيب، وفي أكثر أماكن الجسم حساسية وألماً، ويُحقَّرون و يُهانون، ويُهدَّدون ويُفْتَنون، ويتنقلون بين السجون، من الأشدِّ إلى الأقسى، ويبقون منفردين في أماكن مجهولة في الظلام، مع استجواب وتحقيق وفتن تُعرض عليهم، فيضربون المثل في الصبر والعزيمة والثبات على العقيدة، ويبقون سنوات طويلة... فإذا خرجوا باتوا في دورهم ليلة أو ليلتين، ثم تناولوا أسلحتهم وخرجوا يزأرون كالأسود ليرفعوا كلمة الله العالية، ليرعبوا كلَّ متجبِّر وغاصب محتل.
أيَّةُ نفوس هي هذه التي صنعها الإسلام؟!
أيّةُ شجاعة هي هذه التي جمَّلها الله بكل هذه القوة والصمود؟!
إنها قوى وعزائم فوق قدرة الإنسان العادي، يهبها الله لمن توجَّه إليه خالصاً وباع نفسه له!
والمؤلف كاتب قدير، وقد أدرك أنه أمام عمل جليل ليس هو كالأعمال، ولذلك قال في مقدمته أيضاً
"الكاتب عن حياة الشهداء يحسن أن يسطِّر أفضل ما دوِّن، وأنبلَ ما كُتب، وأعظمَ ما قُرئ، وأجلَّ ما ذُكر، لأنهم أغلى الناس، وأخلص البشر، وأصدق الخلق، لهم عبق الفردوس، وروائح الجنان..."
ومع إيراد سيرِ كلِّ هذا العدد من الشهداء، ترى المؤلف لا يملُّ ولا يفتر من الكتابة عنهم، فهو في كل مرة يورد الوصف الجميل للشهيد، ويحيط بجوانب الاستشهاد، والجو الاجتماعي، والأدب العالي، من شعر ونثر، كأنه نازل من الجِنان!
وفي الجانب العلمي أرَّخ للأحداث بدقة، حيث كان يدوِّن أمام اسم كلِّ شهيد يترجم له تاريخ استشهاده، لكنه مع الأسف يكتبه بالتاريخ الميلادي وليس الإسلامي، وهذا أكبر عيب في الكتاب، وهو وباء منتشر في مصر خاصة، حتى عند دعاته، فلا يكادون يستخدمون التاريخ الإسلامي (الهجري)!
ولم يذكر المؤلف المقصود بـ"الحركة الإسلامية" التي أرَّخ لشهدائها، على أن بينهم عبدالله عزّام، وعمر المختار، وسيد قطب، وسليمان الحلبي، ومهدي الإدلبي، وأبو علي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين... رحمهم الله جميعاً.
وقد رتب تراجم الشهداء حسب تاريخ وفياتهم، كما يُعرف بالطبقات، ما عدا المجلد الأول، الذي قدَّم فيه أعلاماً بارزين، كالشيخ أحمد ياسين، وخليفته الرنتيسي، وغيرهما...
كما قدَّم أحد عشر درساً في المقدمة، ذكر أنها "دروس من الشهداء الأبرار أرسلوها إلينا ويجب أن نعيها". ومما جاء في آخرها: قدَّم دعاة الإسلام أرواحهم فداء لدعوتهم، ودليلاً على صدق توجههم وإخلاصهم، وتركوا الجاه والمناصب التي عرضت عليهم، واحتقروا المادة التي اشترت غيرهم وأذلَّت أعناق الكثيرين من ضعفاء النفوس...
قال: وهذه الموسوعة التي بين أيدينا جمعت بين استشهاد القادة والجند، رجالاً ونساء وفتياناً، فكانت بحق زاداً لكل قائد وكل جندي، وطريقاً إلى المجد والعزة والكرامة، ودرباً إلى الجنة...
وإذا كان المؤلف القدير قد جمع سيراً كثيرة للشهداء في كتابه هذا، فإنه قد فاته تدوين أخبار شهداء كثيرين سقطوا في بلاد الإسلام وغيرها، ولو أن مؤرخين إسلاميين في كل بلد جمعوا أخبار شهدائهم، أو حتى لو اقتصروا على ذكر أسمائهم وتواريخ وفاتهم، لقدَّموا عملاً عظيماً للأجيال، وأرَّخوا لأعزِّ وأجلِّ الأمور.
ومن جانب آخر، فإنه جُمعت أسماء شهداء الإسلام في غزوة بدر أو عصر الصحابة، ولكن أسماءهم على مرِّ العصور لم تُجمع، أعني ما هو مبثوث في ثنايا كتب التراجم والتاريخ... فلو أنها جُمعت وقدِّمت للأجيال بروح إسلامية، لكان ذلك أجمل هدية تقدَّم للمسلمين.
وكتاب "موسوعة الفداء في الإسلام" للشيخ أحمد الشرباصي ليس حصراً في هذا الباب، ويمكن أن يُستفاد منه كثيراً، بأن يُضافَ إليه ما لم يورده، أو أن يُقدَّمَ أيُّ عملٍ جديد بأسلوب علمي مناسب. والله الموفِّق.