المؤلف والوصف
ملاحظات ببليوغرافية
العلل الأساسية للمعاملات المالية المحرمة ترجع إلى خمس علل: الضرر، والظلم، والربا، والغرر، والتغرير.
ومن أهم فوائد حصر هذه العلل للمجتهد: تأكده من خلو المعاملة المالية من النواهي الشرعية.
ويشير المؤلف إلى أنه لا يوجد أكثر شرًّا من الربا في المعاملات المالية؛ لأنه الذنب الوحيد الذي هدد الله تعالى فاعله بالحرب من الله ورسوله.
ومفاسد الربا كثيرة، تفتك بالمجتمع بأسره، ومكمن الخطورة كون نتائجه السلبية طويلة المدى، والشعور الآنيُّ يكون معدومًا، ولكنه إذا استحكم أحدث أزمة مالية حادة يتضرر بها المرابون، بل اقتصاد البلد بأسره، فهو قاتل بطيء للاقتصاد.
ومن أعظم مقاصد تحريم الربا: منع ما يحصل فيه من ظلم للمدين، بل للمجتمع كله، بما فيهم آكل الربا.
وللربا تطبيقات معاصرة كثيرة، منها: الحسابات الادخارية بفائدة، والاعتماد المستندي غير المغطى، والسندات، والمتاجرة بالعملات في سوق العملات العالمية عن طريق الشراء بالهامش، وما يحصل فيها من رسوم التبييت، ومن تأخر المقاصة إلى يومين...
ومن مقاصد الشريعة في تحريم بيوع الغرر: الحفاظ على أواصر الأخوّة والمحبة بين أبناء المجتمع المسلم، وسدُّ باب العداوة والبغضاء، ومنع ما أمكن من مظان الخصومات، ولا سيما عندما يزول الغرر، وينكشف ما كان خافيًا على خلاف المتوقع والمأمول.
ومن المقاصد في تحريم بيع الغرر كذلك: حفظ أحد الضروريات الخمس، وهو المال، لأن السماح بدخول المسلم في معاملات عالية المخاطر يعرّض ماله للتلف والضياع، والشريعة قد صانت الأموال، ومنعت كل ما يؤدي إلى هلاكها.
ومن التطبيقات المعاصرة لعلة الغرر: عقد التأمين التجاري، والبيوع الآجلة في البورصة، والعقود المستقبليات، وبيع الخيارات وشراؤها، وبطاقة التخفيض المستقلة العامة مدفوعة الثمن.
أما التغرير فهو أن يتعمد أحدهم التأثير على إرادة أحد طرفي العقد، بحيث يغريه بالتعاقد، ويسلك في سبيل ذلك وسيلة كاذبة، ولو علم العاقد بالحقيقة لم يقبل بالعقد.
والمقاصد الشرعية في تحريم ما فيه تغرير كثيرة، منها الإفساد في الأرض، إذ لو جاز التحايل على أموال الناس بالتغرير والغش والتدليس والمخادعة وبخس الناس حقوقهم لانتشرت السلع المغشوشة، وامتدت إلى مطاعم الناس ومشاربهم وملابسهم ومراكبهم، وتعرضت حياتهم للخطر، ولأغرى ذلك أصحاب النفوس المريضة إلى العدول عن جودة المنتجات والخدمات، والصدق في المبايعات والتعاملات إلى مخادعة الناس وإغرائهم بالمظاهر الزائفة، والدعايات الكاذبة، لانتزاع أموالهم بطرق سهلة وفاحشة الربح، مما يزعزع ثقة الناس في المبايعات برمتها، ويجعل التاجر الصادق لا يجد له مكانًا في أسواق تعجّ بالفساد.
ومن مقاصد الشريعة في تحريم التغرير أيضًا مراعاة مصالح عموم المسلمين، وعدم الوقوع فيما يخلّ بالانتماء لهم. فكل من يبحث عن الثراء السريع ولو كان ذلك بالالتفاف على مصالح المسلمين وانتزاع أموالهم عن طريق الغش والتغرير والخداع، فهذا دليل على أنانيته وضعف انتمائه لدينه وأمته ووطنه.
ومن المقاصد في تحريم التغرير حفظ مصلحة المغرَّر به، ورفعُ الضرر الذي أُخفي عنه وقت العقد.
وعلة الظلم يراد بها: التعامل المالي الذي يترتب عليه أخذُ أحد العاقدَين مالًا بغير حق تعديًا.
ومن التطبيقات المعاصرة للعقود التي يعود تحريمها إلى علة الظلم: قضاء الديون النقدية التي طرأ عليها الكساد أو التضخم المفرط بمثلها، وتعمد بخس الآخرين حقوقَهم عند التعاقد معهم استغلالًا لحاجتهم إلى المعقود عليه.
ومنع الضرر بحدّ ذاته من أهم مقاصد الشريعة، بل يؤول إلى المقصد الرئيس الذي تنطلق منه جميع التكاليف الشرعية، وهو تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة؛ لأن درء الضرر والمفسدة هو بحدّ ذاته جلب للمنفعة والمصلحة، وجلب المصالح هو مدار جميع الأحكام في الشريعة الإسلامية.
ومما يدخل في المعاملات المحرمة لعلة الضرر: تحريم التعاقد على ما ثبت ضرره بالإنسان، كالمخدرات، والدخان، والأدوية الممنوعة طبيًّا، والأطعمة أو المشروبات الفاسدة أو منتهية الصلاحية، وتحريم التعاقد على ما يضرّ بدين المسلمين أو أخلاقهم، كالتعاقد على إنشاء المواقع والمدونات الشبكية أو القنوات التلفزيونية أو الصحف والمجلات أو نحو ذلك بقصد إفساد عقول المسلمين وأخلاقهم..