المؤلف والوصف
ملاحظات ببليوغرافية
حقاً... إذا اختلف الفقهاء في حكم، فبمَ يحكم القاضي؟
يقطع الباحث بالخلاف الواقع أولاً، وأنه يتضمن تيسيراً من الله على هذه الأمة، وأن أولى من ينبغي أن يعتني بمسائل الخلاف هم القضاة، ذلك أنهم مؤتمنون على العدل بين الناس... ثم إن الحق ليس محصوراً في مذهب واحد، أو قانون واحد..
وللخلاف الفقهي أثر بارز في فصل الخصومات بن الناس، وتتعلق به مسائل وأحكام تهمُّ القضاة والمفتين أكثر مما تهم غيرهم.. فكان لا بد من بحث هذا الموضوع، الذي لم يفرد في كتاب مستقل بحسب علم الباحث.
وقد جعل رسالته في بابين طويلين ومتفرعين إلى فصول ومباحث ومطالب، وهي:
- أثر اختلاف الفقهاء في الوقائع القضائية وطرق الإثبات وموقف القاضي منه.
- أثر اختلاف الفقهاء في قواعد الحكم على مسائل قضائية.
ومن مقتضيات التيسير الذي يتسم به الخلاف الفقهي المعتبر - كما يقول الباحث في الخاتمة- أنه لا إنكار في مسائله، ولا يوجب الشنآن والعداوة بين أهله...
- وهناك خلاف مذموم - أو ملغي - بسبب مخالفة أصل أو دليل مقطوع به، أو بسبب تعصب وهوى، فهذا مردود.
- المحكوم عليه يلزم الانقياد لحكم القاضي حتى لو كان خلاف معتقده ومذهبه، لأن القضاء موضوع بقصد فصل الخصومات وإنهاء المنازعات، ولا يتحقق ذلك إلا بالإلزام بالحكم، ولما في مخالفته من مفسدة مشاقة الحاكم وانخرام النظام وتفويت نفوذ المصالح، فلم يكن بد من التزامه.
- القول بمراعاة الخلاف لا يستجيز للقاضي أن يفصل بحكم لا يعلم دليله ولا موقعه من الصحة والصواب وهو يجد في نفسه قوة في البحث عن الدليل، والترجيح بين المشكل والمتشابه من الأقاويل.
- المقاصد والنيات لها أثر كبير في الكشف عن ماهية الحكم المناسب للواقعة المعروضة للقضاء.
- وكذلك العرف له سلطان قوي في تحديد الأحكام المناسبة لها.
- وسدُّ الذرائع أصل مكين في الشرع...
- الخلاف الفقهي في الواقعة القضائية تترتب عليه آثار على القاضي مراعاتها إبان نظره في مسائل الخلاف، وهي: وجوب التريث في إصدار الأحكام، وعرض الواقعة على أهل المشورة، والتيسير في الأحكام، وإسقاط الحدود بشبهة الخلاف، وهو ضرب من التيسير.
- ويستحب للقاضي أن يستشير في أحكامه من يثق بدينه وعلمه من أهل العلم والخبرة..
- لا ينكر أن جملة من الاجتهادات التي صار إليها الفقهاء رحمهم الله في عصور مضت إنما صاروا إليها علاجاً لحالة طارئة أو نازلة مستجدة، ولم يجعلوها شرعاً لا يجوز خرقه على مدى الأزمان، بل أناطوها بالمصلحة حسبما تقتضيه معطيات الأزمان وأحوال الأمم.. ومن هنا شدد الفقهاء النكير على من يحملون الناس على السطور دون مراعاة أعرافهم وعوائدهم.
- تأثير العوائد والأعراف إنما يكون في المسائل الظنية الاجتهادية خاصة، فهي التي تتبدل أحكامها بحسب اقتضاء المصلحة لها زماناً ومكاناً، وأما المسائل القطعية التي تتسم بالثبوت والدوام فلا تنتهض الأعراف لمحوها أو تبديلها، بل تلك الأحكام من شأنها أن تقوِّم الأعراف المخالفة وتصحح العوائد الفاسدة.