سجل ببليوغرافي

باب السلام في المسجد الحرام ودور مكتباته في النهضة العلمية والأدبية الحديثة

كتب باهرة إسلامية ظاهرة

المؤلف والوصف

عبدالوهاب إبراهيم أبو سليمان.- مكة المكرمة: مكتبة النهضة الحديثة، 1427هـ، 495ص.

ملاحظات ببليوغرافية

هذا من أروع وأجمل الكتب التي طبعت في السعودية، شكلاً ومضموناً، ولو كان للكتب روائح، لكانت رائحة بيت الله وعبق أهل مكة تصعد منه. وباب السلام معروف عند أهل مكة خاصة، وعند الحجاج والمعتمرين قدماً، وذكرياته لا تنسى... والمؤلف باحث وعالم متمكن، وهو من مكة المكرمة، تتلمذ على علماء الحرم المكي الشريف، وعين عضواً في كثير من المجالس العلمية بجامعة أم القرى، وهو عضو في مجلس هيئة كبار العلماء، ومجمع الفقه الإسلامي، فكتابته تتميز بأمرين جليلين يكمل بعضهما الآخر:

الأول: الحديث عن مكة ودورها الديني علماً وثقافة، من خلال الذكريات مع أصحاب دور المكتبات والناشرين خاصة، وحياة الشباب وطلب العلم والبحث عن الكتب مع ضيق ذات اليد، والشوق إلى العلم والمعرفة واقتناء الكتب...

والأمر الثاني هو الكتابة الأكاديمية الرصينة، التي توثق الحوادث والوقائع، وتجعل من أحاديث المجالس الشعبية تاريخاً وعلماً، وفائدة وعبرة...

وقارئ الكتاب يشعر بلذة في قراءة الكتاب وكأنه يمشي في شوارع مكة الضيقة المزدحمة القريبة من الحرم الشريف، ولا يفتأ ينظر هنا وهناك ولا يشبع منه، وعندما يرى إلى جانب الكلام الصور القديمة للمحلات وأصحابها، يتذكر ما نسي وما لم ينس! ويشعر ببهجة وانسياب وتفاعل مع ما يقرأ ويرى، وكأنه في نهاية كل فقرة يرمي بطرف إحرامه إلى خلف ظهره لينتقل إلى فقرة ثانية، وهكذا...

ولا يمكن أن أورد للقارئ هذه الصور والمظاهر على مدى سنوات طويلة أرَّخ لها الكاتب القدير، وقد يقتني القارئ الحريص هذا الكتاب الذي طبع طبعة رائعة، بورق صقيل وإخراج رائع، الذي سيكتب له البقاء والتميز ما بقيت الدنيا إن شاء الله، وسيفرح به عشاق الكتب ومحبو الكتب المتميزة والنادرة، ويزينون به مكتباتهم.

وقد بدأ المؤلف بدعاء جميل، كتبه تحت البسملة قبل صفحة العنوان، يناسب العنوان والحديث عن موضوعه، وهو:

اللهم أنت السلام

ومنك السلام

فحيِّنا ربنا بالسلام

وأدخلنا الجنة دار السلام

ثم تبدأ كلمة الناشر، الذي كان حريصاً على إخراج الكتاب والعمل على نشره، ولكنه توفي قبل أن يراه مطبوعاً، وهو الكتبي "عبدالشكور عبدالفتاح فدا" صاحب مكتبة النهضة الحديثة بمكة، فكتبها أولاده، وقد كتب المؤلف قائمة بأسماء من ساعده على جمع محتويات الكتاب والتأريخ العلمي له.

وجاء تحته: "العرفان والتقدير"، الذي يبدأ فيه بأمر فيه أسى وحزن، فهو يقول –أول ما يقول-:

باب السلام في المسجد الحرام من خارجه ممثلاً في المكتبات والمرافق الحضارية، اختفى عن ناظريه منذ نصف قرن تقريباً (1375- 1424هـ) فأصبح أثراً بعد عين، لم يبق من رجاله وأهله الأفاضل الذين عاشوه إلا عدد قليل، ينقص عدد من بقي منهم عاماً بعد عام.

ثم يذكر في المقدمة أن باب السلام في المسجد الحرام معلم بارز على امتداد التاريخ الإسلامي، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل من باب بني شيبة إلى المسجد الحرام في حجة الوداع، ومع التوسعات الأولى للمسجد الحرام استبدل به باب السلام المحاذي له، المطل على المسعى الشريف، ليصبح المدخل الرئيس للحاج والمعتمر والقاصدين للبيت الحرام من أعالي مكة المكرمة.

وقال في الموضوع الذي يركز عليه في الكتاب كله: تمثل مكتبات باب السلام عبر تاريخها حتى عام 1375هـ العمود الفقري للنهضة العلمية والأدبية والحديثة، وطنيًّا وإسلاميًّا. عاش أصحابها نشاطاً علميًّا وعلاقات اجتماعية حميمة، وحركة تجارية وآلية متميزة، يقضي الواجب أن يُماط عنها اللثام، ويُزاح عنها غبار السنين والنسيان. ومن حق الأجيال التي لم تعاصرها ولم تحظ بمشاهدتها أن تُحاط بها علماً، وتعي دور أصحابها الذين أسهموا في بناء الحاضر، وهي مسؤولية الجيل السابق الذي كان له شرف شهودها ومعاصرتها.

ثم شرع في موضوعات الكتاب، التي جعلها في تسعة فصول، هي: باب السلام: العراقة والتاريخ، إطلالة تاريخية على سوق الوراقة (الكتبية) في مكة المكرمة قديماً، مكتبات باب السلام والأنشطة العلمية والأدبية، مكتبات باب السلام المطلة على الرحبة الرخامية، مكتبات الرحبة الحجرية امتداد الرحبة الرخامية إلى الناحية الشمالية، مكتبات باب السلام الصغير، مكتبات باب السلام الكبير ودكاكينه، دور مكتبات باب السلام في طباعة الكتب، النشاط التجاري والحرفي في باب السلام.

وقد ذكَّر في الخاتمة أن دار السلام شهد من داخل الحرم المكي الشريف نشاطًا علمياً تعقد بداخله حلقات الدروس العلمية بكل أنواعها، يلقيها العلماء والمدرسون في مختلف العلوم والفنون، يحضرها أفراد المجتمع كافة ، وطلاب العلم من جميع أقطار العالم الإسلامي، في دروس علمية متخصصة، أو دروس عامة يحضرها العامة، وقد أدت دوراً عظيماً في تثقيف الأمة على المستويين المحلي والإسلامي.

جهد أصحاب المكتبات في إحضار الكتب من أقصى البلاد الإسلامية، فجعلوا من مكتباتهم في باب السلام أيام موسم الحج معرضاً إسلاميًا للكتاب بكامل معنى كلمة "معرض" في المفهوم الحديث.

كانت هذه المكتبات همزة وصل بين علماء مكة المكرمة وعلماء العالم الإسلامي، يتم بواسطة أصحابها التعرف على بعضهم بعضًا.

كانت المكتبات أشبه ما تكون بنواد علمية وأدبية يجتمع فيها العلماء والأدباء بأصحاب المكتبات الذين يفسحون لهم مكانًا رحبًا، ويهيئون لهم جوًا ملائمًا يجتمع فيها الرفقاء ذوو الميول العلمية والأدبية المشتركة.

كان أصحاب المكتبات على مستوى رفيع في التعامل مع العلماء وطلا ب العلم، وكانوا لهم خير عون بعد الله عزَّ وجلَّ في قضاء احتياجاتهم من الكتب، ودلالتهم على ما يسهل عمليتهم العلمية.

انفرط ذلك النسيج المكاني كله بعد التوسعة، وتشتت أصحابه في أحياء مكة وشوارعها في أماكن ليست مناسبة، وفقدت المكتبات بريقها وتأثيرها السابق... وقد وصف بعضهم الحال في ذلك بقوله: "شاهد بعض كبار أصحاب مكتبات باب السلام تذرف عيناه بالدمع وهو يجمع أغراضه، ويلملم كتبه، وينقض رفوفه، وهو أمر طبيعي لفراقهم بقعة ألفوها، أمضوا فيها صباهم، وزهرة شبابهم، افتقدوا صفوة زملاء العمل، ورفقة الطريق، خدموا في جنباته العلم والعلماء، الأدب والأدباء، طلاب العلم في مكة وخارج مكة، ما امتد الإسلام في بقاع المعمورة.

ليس من المبالغة في شيء أن يقال: إن الحزن عمَّ الساحة العلمية، علماء وأدباء، ومفكرين، وطلاب علم، وأفراد المجتمع كافة، داخل المملكة وخارجها.

فقد أصحاب المكتبات قربهم من الحرم الشريف، يؤدون الصلوات الخمس جماعة، يحضرون دروس العلماء، فقدوا شيئًا عزيزًا هو جزء من حياتهم اليومية، وتكوينهم الفكري، ناهيك عن اللقاءات العلمية والأدبية والاجتماعية، التي اعتادوها في رحاب ذلك المكان. أصبحت مكتبات باب السلام وأصحابها قصة تروى، تاريخاً مدونًا بحروف من الفخر والنور".

قال المؤلف أخيرًا: إن مما يخفف الوطء، ويكفكف لواعج الحزن والأسى، أن يخصص مكان المكتبات بباب السلام للعبادة، والعبادة فحسب، ليصبح جزءًا من المسجد الحرام في توسعته الشاملة المباركة، فالمكان انتقل من شرف إلى شرف أعلى، ومن هدف سام إلى هدف أسمى...