سجل ببليوغرافي

الوطن والمواطنة في ضوء الأصول العقدية والمقاصد الشريعية

المستفاد من الكتب الجياد

المؤلف والوصف

يوسف القرضاوي.- القاهرة: دار الشروق، 1431هـ، 86 ص.

ملاحظات ببليوغرافية

مهَّد المؤلف لموضوعه بحديث عن الوطن والمواطنة، وجعل فصله الأول "مواطنة المسلم وغير المسلم داخل المجتمع المسلم"، والآخر "مواطنة المسلم في غير المجتمع الإسلامي".

وأصله بحث قدَّمه إلى المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، حول "الوطن والمواطنة" وما يتعلق بهما من أحكام شرعية، في إطار عقَدي ومقاصدي.

يقول المؤلف: أيُّ الولاءات والانتماءات أولى بالتقديم على غيرها؟ أعني إذا تعارض الولاء للوطن والولاء للدين، فأيُّهما يقدَّم، وبأيِّهما نضحِّي؟

ويجيب بقوله: الذي يظهر في هذه الحالة أنه في حالة التعارض بين الدين والوطن، فإن الدين هو المقدَّم؛ لأن الوطن له بديل، والدين لا بديل له.

ولهذا رأينا الرسول الكريم وأصحابه حين تعارض الدين والوطن: هاجروا في سبيل الله، وضحُّوا بالوطن الذي ضاق بعقيدتهم.

قال: وقد بيَّن القرآن الكريم في مفاصلة واضحة وحاسمة، أن دين المسلم أعزُّ عليه، وأحبُّ إليه من كل شيء سواه، مما يعتزُّ به الناس ويحرصون عليه، وذلك في قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [سورة التوبة: 24].

وبهذا يتبيَّن بما لا شكَّ فيه، أن دينَ المسلم المعبَّرِ عنه في الآية بحبِّ الله ورسوله، يجب أن ترجحَ كفَّته على كلِّ الروابط والقيم الأخرى، بما في ذلك الآباء والأبناء، والإخوة، والأزواج، والعشيرة، والأموال، والتجارة، والمساكن التي يرضونها. وهذه العبارة تعبَّرُ عن الأوطان التي رضوها وارتبطوا بها ماديًا وعاطفيًا.

ويقول أيضًا: تحدث المشكلة أيضًا حين يغلو بعض الوطنيين في فكرة الوطنية، أو عاطفة الوطنية، حيث ترى بعضهم يجعلون الوطن مقابل "الدين"، أو بديلاً عن الدين، وإن شئتَ قلتَ: مقابلَ "الله"، أو بديلاً عن "الله".. فكما تبدأ الأمور "باسم الله"، تبدأ باسم الوطن، وكما يُقسِمُ الناس بالله، يُقسمون بالوطن، وكما يعمل الناس لوجه الله، يعملون لوجه الوطن!!

وكأن الوطن أصبح إلهًا، أو وثنًا يشركونه مع الله عزَّ وجلّ، مع أن المسلم قد جعل محياه ومماته كما جعل صلاته ونسكه لله، كما قال تعالى لرسوله: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الأنعام: 162].

والحسُّ الديني عند المسلم يرفض أن يقرن باسم الله اسمًا آخر، أو يُقسم بأحد أو بشيء مع الله، أو يعمل عملاً لوجه غير وجه الله، ناهيك أن يفرده.

ويقول في موضع آخر (ص 49): تحدث المشكلة كذلك عندما تتحول النزعة الوطنية إلى عصبية جاهلية، يتجمع فيها أهل الوطن ضد غيرهم، وينحازون فيها بعضهم لبعض، ينصر أخاه في الوطن ظالمًا أو مظلومًا، ويستجيب له إذا دعاه في الحق أو الباطل، على نحو ما قيل في وصف أحد زعماء قبائل العرب: إذا غضب غضب له مئة ألف سيف، لا يسألونه فيمَ غضب؟!

وكما وصف أحد الشعراء أبناء قبيلته بقوله:

لا يسألون أخاهم حين يندُبهم في النائبات على ما قال برهانا

العصبية: أن تُعين أهلك وقومك على ظلم الآخرين، وأن تشهد لهم على الآخرين محقِّين كانوا أو مبطلين، وأن تقول ما قال أتباع المتنبئين الكذبة من قبائل العرب أيام حروب الردة: كذاب ربيعة أحبُّ إلينا من صادق مُضَر!

هكذا تكون العصبية القومية، وكذلك تكون العصبية الوطنية، كما رأينا ذلك في النزعات النازية والفاشية في أوربا في أواسط القرن العشرين، من رفع شعارات: ألمانيا فوق الجميع، وإيطاليا فوق الجميع!

والإسلام يعلِّم المسلم أن يدور مع الحق حيث دار، وأن يقول الحق وإن كان مرًا، وأن يكون قوّامًا بالقسط شهيدًا لله، ولو على نفسه أو الوالدين أو الأقربين، وكذلك لا يجرمه شنآن قوم على ألاّ يعدل، بل يجب أن يقوم بالقسط مع مَن يحب ومع مَن يكره، فعدلُ الله لجميع عباد الله.

ومن هنا أنكر الإسلام العصبية بكل أنواعها، سواء كانت عصبية قبلية، أم عصبية قومية، أم عصبية إقليمية، أم أيَّ عصبية كانت.