إن كثيراً من خلافاتنا تعود إلى عدم وجود خليفة يحسم الأمر، ولو وجد لأنهى قسماً كبيراً من هذا المرض الذي نشكو منه في أمتنا، ولحسم أمراضاً أخرى كثيرة غيره.
وقد جاء هذا البحث القيِّم ليثبت ذلك، ويضرب به مثالاً، بل أمثلة واقعية، حيث إن الحاكم المسلم يحسم الأمر إذا اختلف الفقهاء فيه، ويكون واجباً على الرعية اتباعه، وإلا تعرَّض للعقاب! وما أفضل هذا، ثم ليرضَ من يرضى، ويعترضْ من يعترض.
الباب الأول فيه فصول: من الأحكام الاجتهادية والمقصود بها، ومن سلطة ولي الأمر في الفقه الإسلامي، من حيث ولايته الأمر، ثم تعريف السلطة ومصدرها، وإسناد السلطة وبيان مضمونها.
والباب الثاني: سلطته في رفع الخلاف في الأحكام الاجتهادية، وبيان حاجة الأمة إلى رفع الخلاف، ومقتضياته، وبيَّن ما لا يسوغ الخلاف فيه وما يسوغ فيه، وسلطة ولي الأمر في ذلك، وعن ضبط رفع الخلاف، بتوفر أهلية الاجتهاد فيمن يتولى رفع الخلاف، وعدم مخالفة النصوص القطعية أو الإجماع أو القواعد العامة للشريعة، وعدم الأخذ بالآراء الشاذة، ومراعاة المصلحة فيما لا نصَّ فيه. وعن طرق رفع الخلاف: من الإلزام بمذهب معين، والإلزام بقول الجمهور، وبالراجح من أقوال الفقهاء، وآثار رفع الخلاف.
وفي الباب الثالث تحدث عن سلطة ولي الأمر في تغيير الاحكام الاجتهادية، فبين المقصود من ذلك، وحدود سلطته في التغيير، ومقتضيات هذا التغيير، من تغيُّر العرف والعادة، وتغيُّر المصلحة، وتغيير الاحكام بناء على سدِّ الذريعة، وضوابط سلطة الولي في تغيير الأحكام الاجتهادية وآثارها، ومن مباحثه في ذلك: الموازنة بين المصالح والمفاسد المترتبة على التغيير، ومراعاة الأعراف والعادات الموافقة للشريعة.
وكان الباب الرابع صوراً من المسائل الخلافية التي تحتاج إلى تدخل ولي الأمر لرفع الخلاف، في العبادات والمعاملات، من ذلك اختلاف الفقهاء في حكم التسعير، والإجارة على تعليم القرآن وعلوم الشريعة، وفي جواز شركة الوجوه، وفي اختلاف الفقهاء في باب النكاح والطلاق، كالنكاح بغير ولي، وحكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد، وفي ميراث ذوي الأرحام، ثم الخلاف في باب الجريمة والعقوبة، كالاختلاف في جواز التعزير بأخذ المال.
وكان الباب الخامس دراسة وأمثلة تطبيقية لبيان سلطة ولي الأمر في رفع الخلاف في الأحكام الاجتهادية وفي تغييرها في النظام السعودي، واختار لها أربعة مباحث هي:
- رفع الخلاف بشأن جباية الزكاة.
- رفع الخلاف بشأن تنحي القضاة وردِّهم عن الحكم.
- رفع الخلاف بشأن التعزير بأخذ المال.
- أمثلة لبعض القواعد النظامية التي تغيرت في النظام.
ومن النتائج التي توصل إليها الباحث وذكرها في الخاتمة، وباختصار:
- رفع الخلاف عمل اجتهادي يهدف إلى ردِّ مسائل الفروع الاجتهادية المتنازع عليها بين مختلف المذاهب المعتبرة إلى الكتاب والسنة، بغية الوصول إلى الصواب فيها، ويشترط في القائمين به أن يكونوا من أهل الاجتهاد، وأن يكون عبر اجتهاد جماعي يقوم به طائفة من المجتهدين من مختلف المذاهب المعتبرة. ثم تأتي سلطة ولي الأمر في رفع الخلاف، وتتمثل في الإلزام بالقول الراجح الذي ترجَّح للمجتهدين في الاجتهاد الجماعي بإصداره في صورة نظام عام ملزم.
- الوحدة الإسلامية تقتضي رفع الخلاف، لأن الوحدة أصل شرعي عظيم، وقد فرَّطت فيه الأمة الإسلامية منذ زمن، فهانت واستهان بها عدوها...
- الخلاف في الأحكام الشرعية إنما يسوغ إذا دخل الظن في أدلة تلك الأحكام، سواء أكان الظن في ثبوت النص الدال على الحكم، أم في دلالته على المعنى المراد منه، أم كان لعدم وجود نص في المسألة محل الخلاف.
- لرفع الخلاف ثلاث طرق:
الأولى: الإلزام بالراجح من مذهب معين، وهذه الطريقة تصلح في إطار القطر الواحد، الذي ينتشر فيه أتباع هذا المذهب، لكنها قد تجرُّ إلى مفاسد كثيرة، منها: تعميق العصبية المذهبية بين أتباع المذاهب الإسلامية، بما من شأنه زيادة الفرقة والاختلاف بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة.
والثانية: الإلزام بقول الجمهور، وهذه الطريقة يصلح تعميمها على مستوى الأقطار الإسلامية من دون إثارة للعصبية المذهبية، لأن المرجعية فيه لقول أكثر المجتهدين، وهي طريقة فعَّالة إلى حدٍّ ما في جمع كلمة المسلمين ووحدة صفهم، لكن يكتنفها صعوبات... وتلزم الحيطة...
والثالثة: الإلزام بالراجح من أقوال الفقهاء بناء على ترجيح يتم باجتهاد جماعي، وهي الطريقة المثلى لرفع الخلاف في الأحكام الاجتهادية، لأنها تقوم على أسس شرعية، ولا تفتح باباً للعصبية المذهبية، وتحقق مصالح كبيرة للأمة، حيث تعتمد على قوة الدليل...
- إن في تغيير الاحكام الاجتهادية بتغيير أسبابها إحقاقاً للحق، ورعاية لمقصد الشريعة في جلب المصالح للناس ودفع المفاسد عنهم، وعدم تغيير الأحكام الاجتهادية عند تغيير أسبابها يؤدي إلى إلحاق الضرر والمشقة بالناس والتعسير عليهم، ويفتح الباب لأعداء الشريعة في وصفها بالجمود والتخلف وعدم قدرتها على مسايرة تطورات الزمان، وهذا ما تأباه قواعد الشريعة القاضية بالتيسير والتخفيف على الناس ودفع الضرر عنهم، وجلب المصالح لهم، ودفع المفاسد عنهم في كل زمان ومكان.
- لا يصح تغيير الأحكام الاجتهادية إلا إذا وجد مقتضى لإعادة الاجتهاد فيها، ولا ينبغي التسرع في التغيير لمجرد التوهم بوجود مقتضى التغيير، ولا بدَّ من التمحيص والتأكد من قيام الموجب لتغيُّر الحكم...
- هناك العديد من المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء، ثم صحَّ الدليل من السنة على صواب أحد الأقوال فيها، ومن ذلك صواب القول بعدم صحة النكاح بغير ولي، وصواب القول بجواز القضاء بشاهد واحد ويمين المدَّعي في الخصومات التي تتعلق بالمال أو ما يؤول إليه...
- في المسائل الاجتهادية التي لم يقم نص معين على صواب أحد الأقوال فيها، يكون ترجيح أحد الأقوال فيها استناداً إلى قواعد الشريعة ومقاصدها، ومن ذلك القوال بجواز رمي الجمار ليلاً لمن لم يتمكن من رميها نهاراً، استناداً إلى قاعدة الشريعة في التيسير ورفع الحرج، والقول بعدم جواز قضاء القاضي بعلمه استناداً إلى قاعدة الشريعة في سد ذرائع الفساد...
- وقال الباحث في حكمة:
أتوقع أنه سيكون لرفع الخلاف هذا أثران عظيمان:
الأول: يكون ثمرة لعمل المجتهدين في الاجتهاد الجماعي المقام لرفع الخلاف، ويتمثل في ظهور مدونة للفقه الإسلامي مبنية على أسس شرعية سليمة، ومنسقة تنسيقاً حديثاً تحوز على رضا الأمة، وسيتحقق من خلال هذه المدونة العديد من المصالح العامة.
الثاني: وهو ناتج عن إلزام ولي الأمر بما رجحه المجتهدون في الاجتهاد الجماعي، ويتمثل في وجوب طاعة ولي الأمر فيما ألزم به من أحكام، وحقه في ترتيب الجزاء على من يخالف في ذلك.